: قصة بناء الكعبة المشرفة


المعوق
03-01-2016, 01:43 PM
وردت هذه القصة في سورة البقرة في الايات الاربع التالية: 125- 128:

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه المكنون:

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)

انّ الله تبارك وتعالى قد حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض, وعن جابرالله رضي الله عنه قال, سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحلّ لأحد أن يحمل بمكة السلاح.

الآن نتابع حديث ابن عباس رضي الله عنهما: فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم, وماتت أم اسماعيل, فجاء ابراهيم بعدما تزوّج اسماعيل يطالع تركته فلم يجد اسماعيل, فسال امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا, ثمّ سألها عن عيشهم وهيئتهم, فقالت: نحن بشرّ, نحن في ضيق وشدّة, فشكت اليه, قال: اذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغيّر عتبة بابه, فلما جاء اسماعيل كأنه أنس شيئا, فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم! جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته, وسالني كيف عيشنا, فأخبرته أننا في جهد وشدّة, قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم, امرني أن اقرأ عليك السلام, ويقول غيّر عتبة بابك, قال: ذاك أبي وقد أمرني أن افارقك فالحقي بأهلك, وطلقها وتزوج منهم بأخرى, فلبث عنهم ابراهيم ماشاء الله , ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا, قال: كيف انتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم, فقالت: نحن بخير وسعة, وأثنت على الله عزوجل, قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم, قال: فما شرابكم: قالت: الماء, قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء, قال النبي صلى الله عليه وسلم: ولم يكن لهم يومئذ حب, ولو كان لهم لدعا لهم فيه, قال: فاذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه أن يثبّت عتبة بابه, فلما جاء اسماعيل قال: هل أتاكم من احد؟ قالت: نعم, اتانا شيخ حسن الهيئة - واثنت عليه- فسألني عنك فأخبرته, فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير, قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم, هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبّت عتبة باباك, قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك, ثم لبث عنهم ماشاء الله, ثمّ جاء بعد ذلك واسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة, قريبا من زمزم, فلما رآه قام اليه وصنعا كما يصنع الوالد بالولد, والولد بالوالد, ثم قال: يا اسماعيل! انّ الله أمرني بأمر, قال: فاصنع ما أمرك ربك, قال: وتعينني؟ قال: وأعينك, قال: فانّ الله أمرني أن أبني ههنا بيتا, وأشار الى أكمة مرتفعة على ما حولها, قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت, فجعل اسماعيل ياتي بالحجارة, وابراهيم يبني, حتى اذا ارتفع البناء, جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه, وهو يبني, واسماعيل يناوله الحجارة, وهما يقولان: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127), قال: فجعلا يبنيان البيت وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
قريش تعيد بناء الكعبة المشرفة

انّ قريش أعادت بناء الكعبة المشرفة بعد ابراهيم الخليل عليه السلام, وقبيل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات, وقد نقل النبي صلى الله عليه وسلم معهم الحجارة وله من العمر الشريف 35 عاما صلوات الله وسلامه عليه دائما الى يوم الدين والى ماشاء الله من بعد, يقول محمد بن اسحق رحمه الله في كتابه السيرة: ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة, اجتمعت قريش لبنيان الكعبة, وكانوا يهابون هدمها, وانما كانت رضما فوق القامة, فأرادوا رفعها وتسقيفها, وذلك أنذ نفرا سرقوا كنز الكعبة, وكان البحر قد رمي بسفينة الى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت, فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها, وكان بمكة رجل قبطي نجار فهيّأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها, وكانت حية تخرج من بئر الكعبة فتشرف على جدار الكعبة, وكانت مما يهابون, ذلك أنه كان لا يدنو منها أحد الا احزألت (ارتفعت واستعدت للوثوب) وكشت وفتحت فاها فكانوا يهابونها, فبينما هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع, بعث الله اليها طائرا فاختطفها فذهب بها, فقالت قريش: انا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا, عندنا عامل رفيق, وعندنا خشب, وقد كفانا الله الحيّة, فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها, قام ابن وهب بن عمرو بن عائذ (خال عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم, وكان شريفا ممدوحا) فتناول من الكعبة حجرا, فوثب من يده حتى رجع الى موضعه, فقال: يا معشر قريش! لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم الا طيبا, لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس.

هذا عدا عن انّ قريشا كانت قد جزأت الكعبة الى أجزاء تقاسمتها قبائل العرب حتى لا يخلفوا على أحقيّة العبادة فيها, فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة, وكان بين الركنين الأسود واليماني لبني مخزوم وقبايل من قريش انضموا اليهم, وكان ظهر الكعبة لبني جحم وسهم, وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي ولني أسد بن عبد العزى بن قصي ولبني عدي بن كعب بن لؤي وهو الحطيم, ثم انّ الناس هابوا هدمها وفرقوا منه, فقال الوليد بن المغيرة( والد خالدا رضي الله عنه) أنا ابدؤكم في هدمها, فاخذ المعول فهدم وهدم الناس معه حتى اذا انتهى الهدم بهم الى الأساس- أساس ابراهيم عليه السلام- أفضوا الى حجارة خضر كالأسنة أخذ بعضها بعضا, وجاء رجل فأدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع أحدهما فلما تحرّك الحجر انتفضت مكة بأسرها, فانتهوا عن ذلك الأساس.

ثم انّ القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها, كل قبيلة على حدة, ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن (الحجر الأسود) فاختصموا فيه, كل قبيلة تريد أن ترفعه الى موضعه دون الأخرى, حتى تحاوروا وتخالفوا وأعدوا للقتال, فمكثت قريش على ذلك خمس ليال, ثم اجتمعوا في المسجد وتشاوروا وتناصفوا, وجاء أبا امية بن المغيرة وكان يومئذ أسنّ قريش كلهم فقال: يا معشر ثريش! اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه, ففعلوا, وكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلما رأوه صلى الله عليه وسلم قالوا: هذا الأمين, رضينا. هذا محمد- عليه الصلاة والسلام- فلما انتهى اليهم وأخبروه الخبر قال صلى الله عليه وسلم: هلمّ اليّ بثوب, فاتي به, فأخذ الحجر الأسود فوضعه فيه بيده ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية هذا الثوب, ثم ارفعوه جميعا, ففعلوا حتى اذا بلغوا بع موضعه, وضعه صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة,ثم بنى عليه, وكانت قريش تسمّي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول وحي السماء عليه السلام بـ الأمين.

قال ابن اسحق رحمة الله عليه: كانت الكعبة المشرفة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم 18 ذراعا, وكانت تكسى بالقبطي, ثم كسيت بعد بالبرود, واول من كساها بالديباج الحجاج بن يوسف الثقفي, وبقيت على بناء قريش حتى احترقت في أول امارة عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما, بعد 60 للهجرة, وفي آخر ولاية يزيد بن معاوية لماّ حاصروا عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما, عندها نقضها ابن الزبير رضي الله عنهما الى الأرض وبناها من جديد على قواعد ابراهيم عليه السلام, وادخل فيها الحجر, وجعل لها بابا شرقيا وآخر غربيا ملتصقين بالأرض كما سمع من خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبقيت كذلك مدة امارته حتى قتله الحجاج, فردها الى ما كانت عليه بأمر من عبد الملك بن مروان له بذلك.